فخر الدين الرازي
367
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سُلْطانٌ [ الإسراء : 65 ] فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه . الأول : أنه سمع الملائكة يقولون : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] فعرف هذه الأحوال . الثاني : أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما « 1 » فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم . الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما ، واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه أمض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه . ثم قال : فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ونظيره قول موسى عليه الصلاة / والسلام فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ [ طه : 97 ] فإن قيل أليس الأولى أن يقال : فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا . ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله : فَمَنْ تَبِعَكَ ؟ . قلنا فيه وجوه . الأول : التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم . والثاني : يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات . والثالث : أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل . فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ثم قال : جَزاءً مَوْفُوراً وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما ، أما المتعدي فيقال : وفرته أفره وفرا [ و ] وفرة فهو موفور [ و ] موفر ، قال زهير : ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لا يتق الشتم يشتم واللازم كقوله : وفر المال يفر وفورا فهو وافر ، فعلى التقدير الأول : يكون المعنى جزاء موفورا موفرا . وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء موفورا وافرا ، وانتصب قوله جَزاءً على المصدر . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 64 إلى 65 ] وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ( 65 ) اعلم أن إبليس لما طلب من اللّه الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فاللّه تعالى ذكر أشياء . أولها : قوله : اذْهَبْ [ الإسراء : 63 ] ومعناه : أمهلتك هذه المدة . وثانيها : قوله تعالى : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ يقال أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه ، / و ؟ ؟ صوته دعاؤه إلى معصية اللّه
--> ( 1 ) هذا الوجه يتعارض مع نص الآية الكريمة وهي قول اللّه تعالى لملائكته المكرمين : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ * [ سورة الحجر : 29 ، 30 ] . فالآية تنص على أن الأمر بالسجود والسجود كان قبل الوسوسة ولو أن الوسوسة كانت قبل السجود ، لترتب عليه أن يكون الملائكة كلهم أجمعون قد سجدوا لآدم بعد المعصية وهو أمر لا يليق ولا يتصور فانتفى هذا الوجه .